الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
442
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
تارة بالمنع من حسن الكذب في الغد إذ الإخبار بالأمر المستقبل المتعلق بفعله إما وعدا أو ما هو بمنزلته وليس التخلف في مثله مندرجا قوله وكان قرينة المقام في مثله قائمة على التقييد ببقاء المشية نعم إنما يتم ذلك إلى قوله في العواقب كما في وعد ووعيد قوله على بعض الوجوه والأخبار المفروض قوله في حقهم فلا يتم الاحتجاج وأخرى بأن ثبوت القبح لكذب وغيره من القبائح مما تعلق به الأخبار المذكورة إنما يكون بالذات فلا يزول عنه غاية الأمر أن يثبت هناك حسن بالعارض من جهة أدلته إلى الصدق كلام الأمس ولا منافاة بين القبح الذاتي والحسن التبعي إذ ليس الاتصاف به حينئذ حقيقيا وإنما يتصف به من جهة قبح لازمه تبعا كما في ثبوت السكون بالذات للجالس في السفينة مع اتصافه بالحركة التبعية قلت الحسن على ما عرفت ما كان للفاعل القادر عليه العالم بحاله أن يفعله والقبيح ما لم يكن للفاعل كذلك أن يفعله ومن البين أن المقصود على تلك الصفة بحسب الواقع لا أن يثبت له تلك الصفة في مرتبة من المراتب واعتبار من الاعتبارات وإن لم يكن متصفا به بحسب الواقع مع ملاحظة سائر جهاته الحاصلة فيه فظهر بذلك امتناع اجتماع وصفي الحسن والقبح في الشيء الواحد أحدهما ذاتيا والآخر تبعيا إذا أفضى تبعية القبح إلى المنع من ذلك الفعل كيف ولو جاز اجتماع الأمرين لزم دوران الأمر بين التعرض لأحد القبيحين فإن بقي كل منهما على قبحه والمنع من الإتيان به لزم التكليف بالمحال وإن جاز الإتيان له بأحد لزم القول بارتفاع القبح عنه أما لو قيل بعدم إفضائه إلى المنع من ذلك الفعل وفسر القبيح التبعي بمجرد قبح ما يتبع ذلك الفعل فهو في الحقيقة إنكار لقبحه من تلك الجهة رأسا أن يكون القبح حينئذ وصفا لمتعلقه لا لنفسه هذا وقد أورد على القول باعتبارية الجهات بوجوه منها أنه لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب من الجهة والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب بالفعل المطلوب لذاته بل كان متوقفا على ما يفرض له من الجهات والاعتبارات والتالي باطل فكذا المقدم والملازمة ظاهر وأما بطلان التالي فلأن الطلب أمر بشيء من ذاته التعلق بالغير فكيف يعقل أن يكون تعلقه بأمر خارج عنه وهذا الوجه لو تم لدل على عدم جواز الاستناد إلى الصفات اللازمة أيضا بل ولا إلى نفس الذات إذ قضية الاحتجاج المذكور كون التعلق من لوازم نفس الطلب فلا مدخلية فيه للفعل المطلوب فكيف كان فهو في البطلان أوضح من أن يحتاج إلى البيان لنقضه ولا بغير الطلب الشرعي كطلب السيد من العبد مع أنه من الواضح توقف طلبهم على الدواعي الباعثة والأغراض المتجددة بحيث اختلف تلك الأحوال مطلقا ثانيا بأن مفهوم الطلب لا يفتقر إلى التعلق إلى شيء مخصوص نعم حصوله في الخارج متوقف عليه وهو لا ينافي توقفه على الجهات والاعتبارات لتأخر حصوله إذن عن تلك الجهات والاعتبارات فتعلق بالمطلوب المجامع لها دون غيره وهو ظاهر ومنها أنه كما يستند كل من الحسن والقبح إلى الجهات الخارجية كذا قد يستند إلى نفس الذات مع قطع النظر عن سائر الوجوه والاعتبارات كأكل وشرب الخمر ونحوهما ولا يخفى وهنه إذ لو سلم ذلك فإنما يكون نفس الذات أو لوازمها مقتضية للحسن والقبح ويكون ثبوت كل من تينك الصفتين بمقتضى ذلك الاقتضاء متوقفا على انتفاء الموانع الخارجية كما هو ظاهر من حسن الأمور المذكورة قال وهو أيضا من الوجوه والاعتبار الملحوظة في ثبوت ذلك الحكم إذا رفع المانع من أجزاء العلة التامة فلا يكون شيء منها ذاتيا بالمعنى الذي وقع الكلام فيه وإنما يكون ذاتيا بالمعنى الأخير بالمعنيين المتقدمين وقد أشرنا إلى أنها عبارة أخرى عن القول بإناطتها بالاعتبار نعم إن ثبت عندنا في الأشياء ما يثبت الحسن والقبح لها على سائر الوجوه والأحوال ثم ذلك والظاهر أنها لا يثبتان كذلك في شيء من الأشياء ألا ترى أن أقبح القبائح الكفر بالله سبحانه وبالرسول وشرب الخمر ونحوها ومن الكبائر السبعة وغيرها وكل منها ممكن وقوعه على الوجه المحلل فلا يترتب عليه الذم إلا أن يقال إن شكر المنعم الحقيقي مما يحكم العقل بحسنه ومدح فاعله وكذا قبح كفران نعمه وذم فاعله وقد يناقش في الأخير بأن ثبوت القبح بالنسبة إليه يتوقف على إدراك العقل فلا يثبت في حق الفاعل فحينئذ فيعتبر فيه إدراك ذلك وهو اعتبار ذاتي وقد يقال ذلك في ثبوت الحسن أيضا إلا أن يقال إن ثبوت الحسن لا يتوقف على العلم إذ مع انتفاء الذم المتوقف على العلم يثبت الحسن غاية الأمر أن يتوقف المدح عليه ولا يتوقف ثبوت الحسن على ترتب المدح كما عرفت على أن توقف المدح عليه محل مناقشة أيضا كما لا يخفى فلا يبعد القول بثبوت الحسن في الجملة بمجرد الذات دون القبح لتوقفه على بعض الاعتبارات كما عرفت ويحتمل القول بعدم صدق الكفر إلا مع العلم بالحال وحينئذ لا ينفك عن القبح وفيه تأمل لا يخفى وقد يحتج لأبي الحسين بأن القبح صفة وجودية يتوقف على صفة ثبوتية تبعت عليه بخلاف الحسن فإنه عبارة عن كون الفعل بحيث لا يستحق فاعله الذم وهو صفة عدمية يفتقر حصولها إلى صفة وجودية بل مجرد انتفاء جهة القبح كاف فيه ولا يخفى ما فيه إذ كون القبح صفة وجودية لا يقضي باستناده إلى أمر زائد على الذات بل قد يكون نفس الذات كافية وأيضا قد يكون مستندا إلى الوجوه الاعتبارية فلا يقتضي لاستناده إلى الصفات اللازمة كما هو ظاهر ما حكي عنه وأيضا كون مطلق الحسن ما يكتفي فيه انتفاء علة القبح لا يستلزم أن يكون خصوصياته أيضا كذلك فكيف يطلق القول بثبوت الحسن بنفس الذات كيف ومن الظاهر أن الوجوب أيضا صفة وجودية وكذا الندب فإن في حصول كل منهما من الاستناد إلى صفة وجودية حسبما قرر فغاية الأمر أن يكون نفس الذات كافية في ثبوت الإباحة وقد ينزل كلام القائل المذكور على إرادة مطلق الحسن من حيث ثبوت أكثر خصوصياته متوقفا على صفات زائدة وفيه أيضا ما لا يخفى إذ قد يكون الشيء في نفسه موجبا للذم فاعله ويتطرق ثبوت المدح من ملاحظة الخارج فتغلب الجهة الخارجية على ما يقتضيه الذات وحينئذ يكون مطلق الحسن هناك مستندا إلى الجهة الخارجية فلا تتم الكلية المدعاة فظهر بما ذكرنا ضعف كل من الأقوال المذكورة وتبين أيضا ما هو أظهر الوجوه في المسألة فتأمل البحث الثاني في بيان حجية العقل وصحة الاعتماد عليه في إدراكاته العلمية وإن كان بعد تلفيق المقدمات النظرية وإقامة البراهين العقلية الصرفة الخارجية مباديها عن